صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
242
تفسير القرآن الكريم
وجنوده يستلذّ بها وينسرح فيها حيث يشاء . قال بعض العلماء 138 : إن إبليس لما تمّت حيلته على آدم ، ووصل بالأذية إليه ، ونال بغيته وبلغ أمنيته ، وسأل ربه الإنظار إلى يوم يبعثون فأجيب إلى يوم الوقت المعلوم ، اتخذ لنفسه جنّة غرس فيها أشجارا 139 وأجرى فيها أنهارا ليشاكل بها الجنّة التي أسكنها آدم ، وقاس عليها وهندس على مثالها هندسة فانية مضمحلة لا بقاء لها وجعل مسكن أهله وولده وذريته وهي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وذلك إنه من الجن ، وقد قيل : إن للجن التخيّل والتمثل لما لا حقيقة له ، كذلك فعل إبليس وجنوده إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق لا حقيقة لها ولا حق عندها ليصدّ بها الناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم ، وبذلك وعد ذريّة آدم إذ قال : لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [ 7 / 17 ] . والجنة التي غرسها إبليس لذريّته ليصدوا بها ذريّة آدم عن الجنة التي كان فيها هي الأمور الدنياوية والشهوات الدنيّة الوهمية وفعل الخطايا والمآثم ، وارتكاب المحارم ، وحب القنية الفانية ، والخروج عن طاعة اللّه ومتابعة الذين أخلدوا إلى الأرض ورغبوا في الدنيا وعاجلها ، ودعوا الآخرة وآجلها ، التي هي دار القرار ومحل الأخيار ومقام الأبرار وجميع هذه الأمور لعب ولهو كما وصفها اللّه تعالى به ، فالعاقل هو الذي وفّق للخروج من جنّة إبليس فيرجع إلى جنّة أبيه وذريّته الطاهرين ويتخلص من أدناس ذرية إبليس أجمعين وأتباعهم ، وهم المعتكفون على الأمور الدنياوية المكبّون على اللذات والشهوات الدنية التي ستنقلب بعينها في الدار الآخرة إلى ألوان العقوبات وأنواع الآلام والمحن الشديدة كما أشار سبحانه بقوله في هذه الآية : وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ فهم في العذاب مشتركون وبذلك وعد ربهم إذ قال لإبليس : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ 38 / 85 ] .